|
ريـم كـامـل يـاسـين
|
|
15/ 02/ 2010 |
حين دقت الساعة الواحدة ظهرا كنت قد فرغت للتو من وضع اللمسات الأخيرة على وجهي. وقفت أمام المرآة لثوان، خلتها أطول بكثير، محدقة في كل تفاصيل ملامحي وهندامي، وبلا شعور قلت بفرح أنثوي ماكر ممزوج بالغرور: واو ... سآخذ هذه الفرصة ... أنا مكتملة من الداخل و الخارج .
أخذت حقيبتي وانطلقت إلى موعدي محملة بالكثير من الآمال المؤجلة المعلقة والمنى المندسة في ثوب اللامبالاة، والتفاؤل الحذر الذي يصر على كبح جموح رغبتي في تحقيق ما أريد وبالشكل الذي أريد . بالمحصلة تبدو الأمور اليوم، ولله الحمد، على ما يرام وكما أتمنى . بصراحة أكثر .. كل شيء كما يجب أن يكون، أو كما يريدونه أن يكون ...هم.. آه .. هم : رجلان وسيدة سأكون في مواجهتهم في تمام الواحدة وخمس وأربعين دقيقة . وبالطبع سأكون الطرف الأضعف ، والمحتاج الذي يدق الباب .
رجلان وسيدة سيمطرونني بوابل أسئلتهم المهنية والشخصية ربما ليتعرفوا على قدراتي وسرعة بديهتي .
وسيحدد فضولهم لسبر مستوى معرفتي ونوعية شخصيتي نوعية الأسئلة وبالتالي إمكانية حصولي على فرصة عمل رائعة كهذه .
مع أن الذين يعرفونني عن قرب يقولون إني فتاة متمردة حتى على التمرد نفسه وعلى ذاتي ودائما أعير الأذن الصماء لكل ما حولي فأنا .... أنا وعلى الآخرين تقبلي من دون أي رتوش أو مواربة ، لكني لا أخفيكم أنني في حقيقة الأمر عكس ذلك ولهذا تجدوني دائما مشغولة بما يقوله ويتصوره الآخرون عني إذ كثيرا ما أجد نفسي مسكونة بهاجس اسمه" كيف سأبدو للوهلة الأولى؟" واليوم تحديدا" يطرق هذا الهاجس تفكيري بعنف فالفرصة قيمة والمنافسة شديدة .
على الرصيف بانتظار السيارة تقلبت الأفكار في ذهني شمالا و يمينا وبدأت أوراق الذاكرة تتكشف أمام قلقي وكلها تدور في فلك هاجس المرة الأولى والإنطباع المبدئي . هل سأنجح أم سأفشل في لفت انتباههم من اللحظة الأولى ؟ هل سأقاوم فضولهم أم سأستسلم ؟
هل سيروق لهم ما سأقول ويسمعوني بإيجابية أم سيضعون علامات التعجب والإستفهام هنا وهناك ؟ أو ربما وضعوا نقطة في مكان ما ...عندها لا مجال للعودة أو حتى للإلتفاف .
يا آنسة .. إلى أين ؟ سأل سائق السيارة قاطعا لحظات شرودي . أجبته بالإسلوب المنمق الناعم ذاته الذي دربت حبالي الصوتية عليه استعدادا للمقابلة : إلى مقر وزارة الخارجية . أوحت ملامحه بالرضا ، يا إلهي صرت أهتم لإنطباع سائق التكسي .!ربما هو استحسن اسم الوزارة و ليس صوتي أو أنا ! لا يهم قلت لنفسي ، المهم أن هناك رضا مبدئيا" . ثم إنه إنسان ولديه تجربة لا يستهان بها بحكم اختلاطه الدائم بنماذج بشرية تزدحم فيها المزايا والعيوب .
ساقتني اللحظات إلى يوم شتائي ماطر كنت مدعوة فيه لتناول الغداء مع مجموعة من الأصدقاء بينهم شخص مرشح لمشروع ارتباط وكعادتي في كل الجلسات الأولى التزمت الصمت المطبق اللاإرادي وأصبحت كلي آذان وعيون مع أنني في الحياة عموما لا أجيد فن التوقف عن الكلام بسهولة ... فالنقطة علامة ترقيم ملغية عندي في معظم الأحيان . ببساطة أريد أن اعرف من هو ولا أريده أن يعرفني تماما . أريد أن أعطيه الصورة التي أريدها بالحجم والألوان والظلال التي أختارها .
ربما أنا جبانة ومهزوزة الثقة بنفسي لذلك أخشى من أي إنطباع أولي خاطئ ملتبس أو شديد الصدق واضح فكلاهما فاضح جارح بطريقة ما .أو ربما عندي خبث بشري معين يعزز سلبيتي الآدمية ويمنعني حتى من مواجهة نفسي .. بصراحة لا أعرف كيف أفسر أو أبرر الأمر لكني مسكونة بهاجس : كيف سأبدو و كيف سيراني للوهلة الأولى ؟
من جديد عبر صوت السائق سلسلة أفكاري قائلا : وصلنا ... تفضلي .ترجلت من السيارة واتجهت صوب البوابة الرئيسية . رجال أمن ، بوابات كهربائية ، كاميرات إلكترونية ، و درج رخامي عريض ... باختصار تفوح من المكان رائحة الأناقة والهيبة . بسرعة البرق رسمت الإبتسامة التي أريدها على وجهي ، نصف الفم مفتوح بعناية مع ميل لكشف الجزء الأكبر من الفك السفلي والحفاظ على العينين شبه مفتوحتين لأن عينيَّ صغيرتين وتختفيان عادة عندما أضحك .
رحت أمشي بقوامي الممشوق وحذائي العالي بثقة متناهية ورائحة عطري تلفني كعباءة ، قلت لنفسي في مكان كهذا لابد أن تكون كاميرات المراقبة تسجل كل شاردة وواردة ولربما اللجنة تراقب المتقدمين منذ لحظة وصولهم الأولى .لكنني لا أكترث وسأترك الأثر الذي أريده .
لم أستقل المصعد بل صعدت الدرج فأنا شابة كلي عنفوان وحماس وهذا سيكون أول ما يسترعي انتباههم في زمن جيل " الريموت كونترول ". دخلت مكتب السكرتيرة فأشارت إلي أن أجلس ريثما يحين دوري . صار نبض قلبي يركل صدري فألمح الأخير يعلو ويهبط . الإحساس ذاته عشته يوم دخلت الجامعة كمحاضرة في كلية الآداب ، حينها كان أيلول ينسج آخر حكاياته ، أنا أعيش آخر أيام عامي الثاني والعشرين .
أذكر تماما أني كنت أبدو أصغر بخمس سنوات على الأقل بملامحي الطفولية وشعري المنساب على جبيني ووجهي .وراح السؤال المقلق يضرب ذهني : كيف سأبدو ؟ كيف سأجعلهم يهابونني ويحبونني من اللحظة الأولى ؟!، كان أول شيء خطر في ذهني أن أتقمص شخصية المدرسة الكبيرة الصلبة الصارمة وإلا فسيستهينون بطراوة عودي ....استعرت من أمي حذاءها الأسود العالي ولبست تنورة (رغم عشقي للجينز والأحذية الرياضية ) ورفعت شعري بمشبك أسود . دخلت القاعة برأس مرفوع ونظر مثبت في اللاشيء .وقفت على المنبر كالصنم ، أخذت أصوات الطلاب تنخفض تدريجيا" ثم انقلبت إلى وشوشة بعدها تلاشت أمام جمودي المفتعل .دعكت راحتيَّ بعضهما ببعض وقلت بصوت منخفض هادئ رصين : مرحبا .مرت ثوان شعرت بعدها بسعادة بالغة لأن ملامحهم و طريقة ردهم أوحت باني رسمت الإنطباع الذي أريد .
رن جرس المكتب و بسرعة البرق غادرت ذاكرتي و عدت إلى موعدي . السكرتيرة من جديد مبتسمة تشير بيدها اليمنى إلى باب أسود عريض ..." تفضلي يا آنسة .
هل سأفشل ؟! من جديد رحت أتساءل و أنا أقطع خطوات لا يتجاوز عددها سبع :كيف سأبدو ؟ هل سأنجح في حثهم على الإستمرار في مقابلتي وإعطائي الفرصة لأظهر إمكانياتي المهنية وقدراتي العلمية للحصول على هذه الوظيفة الحلم .
رد أعضاء اللجنة التحية علي بالطريقة نفسها التي ألقيت أنا بها التحية على طلابي في الجامعة ، قلت لنفسي : ما كوم الجليد هذا ؟! يبدو أني سأعود بخفي حنين . بعد فترة من اللعب بالأعصاب والتفحص نطق الرجل الذي يجلس أقصى اليسار بعد أن رفع نظارته عن عينيه : مجد كنا نعتقد أنك شاب .. تفضلي استريحي .
انكشفت شفتي عن ابتسامة رضا ، حمدا" لله و شكرا" لوالدي الذي اختار لي هذا الإسم فقد لفت انتباههم وشعروا بأني مختلفة منذ اللحظة الأولى .
استغرقت المقابلة نحو نصف ساعة لا اعرف كيف انقضت، وبلطف طلب مني أعضاء اللجنة أن أنتظر النتيجة عند السكرتيرة . شكرتهم بغض النظر عن أي نتيجة ولبيت الطلب .
مع كوب العصير الذي قدمه المستخدم لي قفز إلى ذهني يوم عدت من إجازتي الصيف الماضي مع ابن أخي الصغير هادي .كانت الطائرة ممتلئة كعادتها في الإجازات، وما أن هبطت حتى غطى نوافذها بخار أبيض كثيف بفعل الرطوبة الخارجية الزائدة وفرق درجات الحرارة الكبير بين داخل الطائرة وخارجها .
راح الدخان الأبيض الكثيف ينبعث من حواف النوافذ بشكل مريب مما بث الذعر في قلوب الركاب وبدأت بعض النسوة بالصراخ ... حريق.. حريق ... معنا أطفال ... افتحوا الأبواب والمنافذ .
أظنني كنت أكثر الناس رعبا وخوفا حتى أني نطقت بالشهادتين تحسبا" لأجل أعتقدت أنه قد آن أوانه غير أني تمالكت نفسي وقلت برباطة جأش غريبة : وحدوا الله يا جماعة لن ينفعكم التدافع . بهدوء ... بهدوء أخرجوا الأطفال أولا" .
قبضت على يد هادي بشدة وبكى قلبي فهو أمانة معي ويجب أن يخرج من هنا مع الأطفال ... لا مفر من ذلك... علي أن اتركه يغادر الطائرة لوحده . توجهت الأنظار إلي وكان الجميع مستغربين الشجاعة المؤمنة من هذه الصبية ؟؟ وسرعان ما أوضح الكابتن الأمر فانفرجت الأسارير وعاد الهدوء الحذر ، إذ لربما الكابتن يهدئ روعنا فقط ؟ المهم اننا هبطنا إلى أرض المطار بسلامة وصار الكل يشكرني ويثني على رباطة جأشي .
تبسمت راضية لأني في أصعب الظروف استطعت أن أترك انطباعا" مميزا" عند الآخرين .
آنسة مجد ... مبروك ... قالت السكرتيرة . قفزت من على الكرسي حاصرت راحتها بين راحتيَّ قائلة : شكرا الله يبارك بعمرك . هل أصبحت واحدة منكم ؟ هل أنت متأكدة ؟! أجابت : نعم أنا متأكدة من أنك اجتزت الإمتحان المبدئي والباقي خير بإذن الله .
استغربت وسألتها :امتحان مبدئي هل هناك مقابلة أخرى ؟ ! ألم أكن عند حسن ظنهم .؟ ألم تكن إجاباتي منطقية ؟ألم ...؟ألم.... ؟
بهدوء بارد ردت السكرتيرة على إنفعالي : بلى كنت مقنعة لكن وزارة كهذه لا تمنح تلك الفرصة لشخص ما معتمدة" على إنطباع أولي قد يصيب وقد يخيب، تعالي غدا" في الموعد نفسه عندك امتحان كتابي واستعراض لإنجازاتك السابقة .... كما تعلمين الإنسان رغم كبر خبرته وقوة حدسه وعمق تجربته لا يمكن أن يختصر الآخرين بعشرين أو ثلاثين ثانية يقال إنها الزمن اللازم لتكوين انطباع أولي عن الآخرين . رغم صدمتي أجبتها: صدقتِ سيدتي .. ذلك الإنطباع كاد يقتلنا خوفا" عندما حسبنا أن بخار الماء هو دخان حريق في الطائرة ولم نمهل عقولنا بضع ثوان لتتجلى الحقيقة لنا .. لا أخفيكم منذ ذلك اليوم تغيرت أمور كثيرة في حياتي وداخلي وصار هاجسي وسؤالي : أي انطباع أخير سأترك ؟ وأي ذكرى وأثر سأخلف ؟ بعد عمر أتمناه مديدا مليئا بالخير والسعادة للجميع بمن فيهم أنا .
|