|
غريبات واقفات على حافة العالم |
|
|
|
زيـاد خـداش
|
|
15/ 02/ 2010 |
المطلقة:
لم تصدقي في البداية ما حدث، اعتقدت انه كابوس، لكن النهارات المتعاقبة أكدت لك الحقيقة، أنت الآن مطلقة، والعالم لم يعد هو العالم، السنة الرجال تسيل على واقع ظلالك، نميمة وشهوات وإشاعات، أهلك يعاملونك باستياء صامت، وفي الشارع تسمعين أصواتاً قاسية:"هي مطلقة، أكيد رغباتها مشتعلة، أكيد هي سهلة، هيا نتحرش بها".
صديقاتك الغبيات يتساءلن: ماذا فعلت له حتى يطلقك؟ كان يجب أن تحافظي عليه يا غبية. لا تجيبيهنّ وتمضين حزينة ومشلولة في طريقك. في ليلك الطويل تحلمين بأفاع ٍ تتسلق جدران غرفتك وتنقض على جسدك، تنهض فزعة، تزحف الأم المسنة نحوك، تربت على عرق وجهك، تسمعينها وهي تهمس لنفسها في الغرفة المجاورة. يا ترى ماذا فعلت يا ابنتي حتى يطلقك؟ تفتحين نافذتك، تلقين بجسدك منها، تسرعين نحو نافذة أخرى في مدينة أخرى، تنامين تحتها مع البرد والظلام ، تسمعين صوتك الخفيض: يا أطفالي النائمين خلف هذه النافذة، اشتقت إلى أنفاسكم، تعالوا، تعالوا.
الأرملة:
لا يغادرك صوته، ضحكته مخبئة في خزانة الملابس مع قمصانه ومعاطفه، وهو لم يمت، هو مسافر، هكذا تقولين للصديقات الواجمات والجيران الباهتين، وحين تلصقين خدك بخد الوسادة، تزورك بضع دمعات صغيرات، ويتحرك في صدرك سؤالٌ موحش: يا إلهي، ألا يعود المسافرون إلى بيوتهم وأولادهم؟! أليس هناك نهاية للسفر؟!. على أطراف الليل المتجمد، متأبطة ذراع دمعاتها، تمشي المرآة الأرملة تجاه دفتر مذكراتها،تنفض عنه الغبار وتقرأ سطوراً قليلة كتبها رائعها في هامشٍ آخر عاش فيه: عزيزتي، يا رفيقة حزني وفرحي، لو حدث وأن غادرت هذا العالم فجأة، فاهرعي إلى شجرة الوطن الباسقة، بديلاً عن غصوني وثماري،هزيها من كتفيها وابحثي عني هناك.
المعتقلة:
في زاوية الزنزانة، تجلسين القرفصاء، الشعر منفوش، الملابس ممزقة،لكن ابتسامة دائمة وغريبة لا تفارق شفتيك ،ما الذي جاء بك إلى هنا أيتها المرأة الصغيرة ؟ كان يجب أن تكوني في الجامعة مع الزملاء الشبان الوسيمين والمتنافسين على نيل نظراتك، تُنظّرين أمامهم عن ضرورة الكفاح المزدوج ضد الاحتلال وضد قهر الرجال، ولا تفعلين شيئاً سوى شرب النسكافيه والضحك والاستماع بحسرات المتنافسين وخطو اللاهثين البائس."أنا هنا لأدافع عن ضحكاتي الحقيقية". يقول لك صوتٌ آخر فيك أنا هنا لأكون حرة باالمعنى الحقيقي لا الشعري أو البلاغي، أنا هنا لأن الوطن لي أيضاً كما هو لك، أيها الرجل الخائف على عرضي وعذريتي، لا تخف أيها الرجل الحريص على شرفي، فشرفي ليس بين ساقي كما تعتقد، هو بين ضحكتين بريئتين لعاشقين فلسطينيين يمزق جسديهما رصاص المحتلين القتلة.!
العجوز:
الزوايا وطنك، والنسيان عنوان وقتك، الصمت فضاؤك، أحفادك وأولادك، يمشون ويتراكضون أمامك، يحسبونك عمياء وميتة، لا يعرفون أنك حية جداً وقوية جداً. لا أحد يكلمك. وإن كلمك أحد فهو مستعجل ومتذمر، وبارد. تتحملين تجاهل الأهل وتتمنين للأحفاد الصغار الحياة الرغدة، وتكتفين بصحون طعام مصنوعة على عجل، يضعها الإبن الكبير أمامك، ويلوح لك مغادراً حين يأخذك القدر إلى العالم الآخر، سيبكي طويلاً هذا الإبن، وسيندم لأنه لم يجلس معك، ويحدثك عن الأولاد والزوجة والأب الراحل والمدن التي غابت وعما يحدث في العالم. لكنك بعظمتك ورحابة روحك وطيبة تجاعيدك تسامحين الأبناء والأحفاد، وتنهضين إلى فراشك بحزمة أمراضك، تتوكئين على عصا الحزن الهشة، هناك لا أحد يغطيك،أو يحرص على راحة جسدك ، فأنت قاب نفسين أو أدنى من موتٍ قادمٍ لا محالة ، الأبناء غاطون مع زوجاتهم، وأولادهم في دفء العمر الجميل، وان سعلت، لا احد يهرع نحوك، كما يحدث مثلا حين تسعل الزوجة أو الأولاد، فأنت عجوز خرفة، قديمة ، تنتمين إلى الماضي، ولا تتقنين حديث الحاضر والمستقبل، أليس هذا ما يظنه الأبناء والأحفاد ؟؟ ياسيدة الزوايا ، ويا ابنة الصمت، قلبي معك، قلبي معك
|