|
فـدى جـريس
|
|
12/ 02/ 2010 |
قبل اسبوعين لفظت عزيزة انفاسها الأخيرة.
كنت في طريقي إلى العمل وقد شارفنا على الوصول، وفجأة أبطأت من سرعتها وأصدرت صوتاً عالياً. كان هذا قد حدث من قبل، ففعلت ما فعلته آنذاك، ودست على الوقود ثانية. لكنها أصدرت صوتاً أعلى، ثم صوتاً آخر، ثم انطفأت وسكتت.
جلست فيها لبضع ثوان وأنا صامتة. كانت حياتي كلها "مشربكة" هذه الأيام وأتى سقوط عزيزة الآن كالقشة الأخيرة. حاولت إدارتها ثانية لكني كنت أعلم أن هذه هي النهاية. وبعد ثوان أخرى من الذهول هززت نفسي وأنا أفكر: حسناً.. لا بد من الذي ليس منه بد. ترجلت منها وأكملت طريقي إلى العمل ماشية حيث اتصلت بشركة شحن كي تجرها، وبعد نصف ساعة كانت لدى الميكانيكي الذي قال بنبرة قاطعة "سأتصل بالرجل كي يأتي ويأخذها" وفهمت ما يقصد، وهو أنها لم تعد تصلح إلا للإتلاف والاستعمال كقطع، ذلك أنه كان قد تفقدها قبل يومين وأخبرني بشديد اللهجة أني يجب أن أغيرها فوراً وأنه ممنوع عليّ، منعاً باتاً أن أقودها خارج المدينة. لم أشأ أن أخبره كم مرة في الأشهر الثلاثة الاخيرة أخذتها إلى تورونتو – مسافة ساعة – وكنت أقودها بكامل السرعة، بل اكتفيت بالارتجاف الداخلي وحمد الله على السلامة.
بعد إتمام كل شيء خرجت من المرآب كي اعود للعمل وفي طريقي ألقيت نظرة أخيرة عليها. انقبض قلبي وكادت مسحة من الدموع أن تغطي عينيي.
وداعاً يا عزيزة.
اشتريتها قبل صيفين من صديق كان يعلم أني أبحث عن سيارة رخيصة الثمن. وحين رأيتها آنذاك، قلت له "إنها مناسبة. سآخذها." وأكد هو على سلامة قراري قائلاً إنها لا تستهلك الكثير من الوقود ومصاريف تصليحها بسيطة، وهي لن تحتاج للتصليح أصلاً في السنة التي سأقودها فيها. وفي نهابة الأمر استعملتها لسنتين كاملتين مع تصليحات بسيطة جداً. لقد أدت عزيزة أكثر من مهمتها بكثير.
مررنا بإشكاليات صغيرة في فترة التعارف فمؤشر عزيزة اليمين – يسار لا يعمل جيداً، كما أنها تسرب زيتاً وماءاً على هواها وفي أماكن عديدة، أبوابها إن قفلت لا تفتح بالمفتاح. إضافة إلى ذلك فهي عصبية تثور بسرعة وليس لديها أي صبر على السيارات الأخرى أو المشاة. وهي تسابق السيارات الجديدة غير عابئة بصوتها الذي يعلو وسحابة الدخان التي تخرج منها. لكنها بنت حلال و"درويشة" وتهدأ بسرعة وهي في فترات هدوئها مطيعة ساكنة، كما أنها لا تتطلب كثيراً فهي لا تريد سوى الوقود والماء وقدر من المحبة والحنان. وهي تصبر على نقص الوقود – حسب الميزانية ودرجة الكسل التي أمر بها – فتضيء ضوءاً برتقالياً صغيراً مشيرة إلى النقص ومنتظرة الفرج بصمت. كما أنها تتحمل أغراضي المبعثرة بداخلها – فقد رتبتها مرتين فقط طيلة فترة مكوثها لدي – وتسمع غنائي وصياحي من حين لآخر (حسب ضغط السير) بصدر رحب وقلب متسع. أما في الشتاء فإنني أنزل صباحاً لأنظفها من الثلج وهي ترتجف حنقاً لاعنة حظها الذي أودى بها لحياة الشقق والوقوف في الخارج. لا بأس يا عزيزة... إننا كادحون. وتنظر إلي وهي تتنهد ثم تنسى البرد وتستعيد توازنها كأنها تعلم أن ليس لديها خيار آخر. قضي عليها أن تقضي هاتين السنتين معي.
نحن من الأوائل الذين يصلون إلى العمل في الصباح لذا نقف قريباً من البناية، وهذه المواقف مطلوبة جداً وعزيزة تشعر بالزهو كون بقية السيارات تنظر إليها في حسد. وفي يوم تطاولت سيارة "جيب" كبيرة وقالت بصوت عال إن على الأجيال القديمة والمتهتكة أن تفسح المكان للآخرين الأحدث والأجمل، فردت عزيزة بأنها – أي سيارة الـ "جيب" – كبيرة وثقيلة الدم وعبء على صاحبها في استهلاكها للوقود، وإنه لو تعلّم الجيل الجديد من القديم لكانت الدنيا أفضل. فلم تعد تلك إلى إزعاجها ثانية.
وفي المساء أوقف عزيزة في موقف العمارة وقد كوّنت صداقات عديدة مع كثير من السيارات هناك متعددة الجنسيات: الامريكي والياباني والالماني، وأصبحت لها شعبية كبيرة فهي مستمعة جيدة وتساعد بقية السيارات في حل مشاكلها كما أنها مرحة خفيفة الظل تضفي على المرآب جواً جميلاً. وكان لها معجبون كثر من الجنس الآخر.. فكانت تستلم الكثير من الأضواء المسلطة عليها والزمامير، لكنها كانت قد خرجت للتو من علاقة صعبة ولم تكن جاهزة للخوض في تجارب أخرى. إلى أن كان يوم.
اشترى ابن صاحب العمارة "بي ام في" جديدة حمراء اللون وأوقفها في المرآب، على بعد عدة أمتار من عزيزة. وانقلب كل كياننا.
إنها لا تريد أن تترك المرآب. واحتاج تسخين محركها فترة أطول في هذا الصباح وهي لا تتجاوب وحين أجبرها على أخذي إلى العمل تأخذني بقرف، وتجلس "مبوّزة" طول النهار وما نكاد ننطلق عائدين إلى البيت حتى تجري بسرعة الريح ونحن نكاد أن نصاب في مئة حادث. عزيزة! ما الذي يجري! على علمي إنك عاقلة! لا حياة لمن أنادي، بل تستمر في طيرانها المجنون حتى نصل لاهثين إلى باب العمارة وتقف بخشوع، وإذا لم نجد ال"بي ام في" في موقفه فإني أترجل منها بسرعة صاعدة إلى شقتي لأن مزاجها يصبح ساماً.
وبدأت عزيزة تعاني فعلاً. إن أي معتد بنفسه يكاد لا ينظر إليها. والمسكينة تحاول أن تستثير انتباهه بأن تغمز بأضوائها حتى احترق ضوئها اليمين وبتنا، إضافة الى سائر مشاكلنا، بالكاد نرى أمامنا ليلاً. وتسرب الزيت منها في ازدياد، ووضعها الصحي يتراجع، حتى اضطررت لتركيب بطارية جديدة لها وأربع أحذية جديدة، إضافة إلى جهاز يديرها عن بعد، لكي أحسّن من معنوياتها.وكل ذلك دون نتيجة. وحلت الكارثة الكبرى حين أتت "هوندا" جديدة الى المرآب وبات يهتم بها، فجن جنون عزيزة وباتت لا تكلمني إطلاقاً، وإن كلمتني فهي تفعل ،فقط، كي تصيح بي أن آخذها وأغسلها وأرتب داخلها حتى لا تبدو مبهدلة هكذا.
انتظرت إلى أن كنا في جلسة هدوء ذات يوم – أنا جالسة بداخلها استمع للموسيقى وانتظر ريثما يسخن محركها – وكلمتها بهدوء.
"عزيزة.. إن الدنيا لا تتوقف عنده. المرآب مليء يالسيارات ، سواء في البيت أوفي العمل، وقد حاول الكثيرون الاقتراب منك فأعطيهم فرصة. عليك أن تعيشي حياتك يا عزيزتي."
لم تقل شيئاً. سرنا إلى العمل وصوت الموسيقى الهادئة فقط بداخلها، لكني أحسست أنها هدأت قليلاً.
بعد بضعة أيام وافقت على دعوة سيارة "تويوتا" بأن يتحدثا سوية، وبعد ذلك بدت عليها السعادة والأمل. لم تقل لي شيئاً، لكنها أوصلتني إلى العمل بهدوء.
حين أنهت مسيرتها في ذلك اليوم، وعدت دونها إلى العمارة، نظرت إليّ سيارة "التويوتا" في قلق. وما أن علم صاحبها بما حدث حتى تأثر كثيراً وانكمش على نفسه. وبعد أيام معدودة رأيت عليها إشارة "للبيع" ، فالظاهر أنها أتعبت صاحبها.
لقد مررنا أنا وعزيزة بالكثير سوية، ولا زلت كلما أرى "فورد" بيضاء مثلها ابتسم متذكرة وفاءها ووقوفها – أو سيرها – بجانبي.
|