|
فـدى جريس
|
|
09/ 12/ 2009 |
تمتد مترامية الأطراف على ساحل المتوسط ويعانق أعلاها السماء في منظر جبلي رائع.. انها حيفا.. عروس الجليل واحدى اكثر المدن الفلسطينية تميزاً. يترك موقعها الرائع وجغرافيتها الجميلة لدى الزائر انطباعاً لا ينسى. جبل عال ينحدر الى البحر، فيجمع بين الارتفاع الشاهق والامواج المتلاطمة على الصخور في أسفله. هذا الاختلاط التوبوغرافي يجعلك تحس انك في مكان فريد.. لست في الجبل ولا في الساحل.. بل في مزيج اثيري بينهما.
وينعكس هذا المزيج على شخصية المدينة، فحيفا تحتوي على كل شيئ. فقر مدقع وغناء كثير. اناس من كل الطوائف تلهث متسارعة في ضجيج الحياة. حين تدخلها لا تتوقف لحظة عن ملاحظة الاشياء من حولك، فهي تتبدل وتتغير خلال دقائق. تدخل الى حيفا عبر ما يسمى بالمدينة السفلى، نسبة الى موقعها الجغرافي – أي قاع الجبل. وهو موقع الميناء حيث تكتظ القوارب والسفن. لكن الاسم مترادف أيضاً مع طبيعة هذه المنطقة.. فهي تحتوي على البيوت الفقيرة المتداعية والمتاجر الرخيصة. تشعر كأن كل شيئ فيها صعب.. مرهق.. وأن المارة في الشارع يختلطون بين طلاب وفقراء و "العالم السفلي".. ان اجزاء منها مخيفة حتى في وضح النهار.. وشأنها كأي مدينة، تخبئ وراء جدرانها كثيراً من المآسي. تشعر أنك تريد ان تخرج منها بسرعة مستمراً في صعود سفح جبل الكرمل.في منتصف الجبل تدخل الى "الهدار" وهو أيضاً منطقة شعبية جداً.. تتراص على جانبه البيوت والدكاكين بكثافة. وهو أهم مركز تجاري للطبقة الكادحة والمتوسطة. تمشي في شوارعه فتداهمك سلع من كل الانواع.. كل شيئ يباع هنا من الطعام الى اللباس الى كل مستلزمات البيت.. وهو في حركة مستمرة.. مساومة وبيع وشراء.. دخان سيارات وباصات واكتظاظ ومحلات فلافل وشاورما.. وموسيقى تصدح.. انك في بيئة شرقية كاملة.في أعلى الجبل تصل الى مركز الكرمل.. منطقة راقية للفنادق الفخمة وقاعات المؤتمرات والسينما والمتاجر الباهظة الأثمان. هنا لا تستطيع الحصول على كعكة الا اذا جلست كخواجة في احد المقاهي ودفعت قدر ما تأكل به وجبة في أماكن أخرى. انك في بيئة بُذل جهداً كي تكن غربية.لكن للكرمل رونقه وسحره.. حين تنظر الى الأسفل، تشتد أنفاسك بانبهار.. فالمنظر رائع.. انحدار كبير لسفح الجبل الى البحر الذي يبدو كمرآة من الزرقة.. تتخلله قوارب وسفن صغيرة وتطير فوقه أسراب النورس.. وكأنه يحتضن المدينة برفق، وتتكسر أمواجه على شواطئها بما يشبه الاعتذار.. وهي شامخة تنظر اليه كعروس بحرية تتباهى بجمالها وموقعها. باستطاعتك أن تغيب في النظر اليه طويلاً.. تستريح أعصابك وتهيم في استرخاء حالم.لكن المدينة ليست مسترخية، فهي تحتوي على اثنتين من أكبر الجامعات في البلاد وعدد كبير من المؤسسات التعليمية اضافة الى اكبر مركز لتطوير تقنية المعلومات. وتحتوي أيضاً على أكبر مركز عالمي للبهائيين الذين تَعدّ قبّتهم وحدائقها من أهم المعالم في المدينة. اضافة الى ذلك، فهي من أهم المراكز التجارية وتزخر بأماكن التسوق والشركات والأعمال.. ان المدينة نشطة.. دؤوبة.. عالية الصوت.. لا يردع سكانها حرها القائظ في الصيف ولا ازدحامها الكثيف وقدم بيوتها وشوارعها.حيفا، بنظر الكثيرين، مثال جيد وفريد للتعايش والسلام.. فالفئات المختلفة التي تسكنها من مسلمين ومسيحيين ويهود تعيش في سلام وفي علاقات جيدة نسبياً، ويبدو أن للكل مساحة هنا. هذه المدينة، التي شهدت غزوات من كل من هب ودب.. البيزنطينيون والعرب والصليبيون والاتراك والمصريون والانجليز واليهود.. تبقى شامخة.. تعج بالحركة.. وكأنما ترنو الى البحر في تأمل أبديّ ساخرة من جميع البشر الصغيرين الذين يهرولون اليها. فهي التي تدوم على مر الأزمنة.
|