|
ماجيستر صفاء رومايا
|
|
09/ 12/ 2009 |
"سوريا ولبنان قامات وقدود… عليها بشوف عيون وخدود…تزَوّد نار القلب بارود" أنا أعشق سوريا ولبنان ..سوريا ولبنان كلمات لآلئ وأنوار .. كالشمس كالقمر كليل العشق والنهار.. كتبها الشاعر التونسي الكبير الراحل "بيرم التونسي" قبل قرابة ثلاثة أرباع القرن ولحنها وغناها الموسيقار الراحل " فريد الأطرش" في أوبريت رائع ملأ الأسماع وقتها وانتشر ولا يزال: أوبريت بساط الريح " ومر وسافر ذلك البساط إلى العراق أيام كان العراق عراقاً والى تونس ومراكش والى مصر الكنانة أم الدنيا .. والى سوريا ولبنان ..
واليوم أحلق في سماء الرومانسية على سوريا وعلى لبنان، سوريا حبيبتي وحبيبة كل العراقيين والعرب، ولبنان التي لها أصداء وذكريات في نفوسنا منذ نعومة أظفارنا.. لبنان الجبل والبحر والسحر والنسيم العليل. "نسيم لبنان شِفا الأرواح .. عليل القلب علية أرتاح.. ويا مشتاق لبر الشام .. تبات سكران بلا أقداح بلا أقداح .. عمالقة مروا على هذا الزمان وخلدتهم عبقريتهم على مر الأزمان في مجال الفن والأدب والشعر وكل ألوان وأطياف الثقافة والبلاغة ..ولن يجود الزمن بمثلهم أبداً أبدا. يا ياسمين دمشق … لقد اشتقت اليك والى عبقك والى من تغنّى بك دوما شعراً ينطق لحناً . "نغم ينساب في لحن أغنّي… بين شدو وحنين وبكاء وأنين" . ذلك هو الشاعر الراحل ابن دمشق البار "نزار قباني". ولست بصدد أن اكتب أي روتينا عن حياته وسيرته بل هي كلمات عالقة علي طرف اللسان وكأنها قيثارة ملأت بأنات الجوى لابد للمكبوت من فيضان. ولو عاش نزار لأيامنا هذه ورأى ما رأى وسمع ما سمع وشهد ما شهد لمات من جديد ألف ألف مرة. كانت رحله نزار مع الشعر.. مغامرة متوجة بالمجد لكنها، في نفس الوقت، مشوار مفخخ بالجراح والمرارة والإحباط .. وبرغم أن نزار كان شاعرا كبيرا بإبداعه وموهبته وذكائه وإحساسه من خلال شعره وكلماته إلا أنه بقى شاعراً حزيناً مذبوحاً بحزنه من الوريد إلى الوريد .. عاش حياة مليئة بالآلام، فمن موت الشقيقة في بدايات العمر وموت الابن في ذروة الشباب وموت الزوجة الشابة في أوج الحب وموت الأوطان واحدا تلو الآخر.. يا ترى ماذا كان سيقوله نزار لو عاش لليوم بشأن احتلال العراق وتحطيمه كل هذا التحطيم.. بل ماذا كان سيقول بحق بعض العرب والعراقيين الذين بصموا للاحتلال وهللوا وكبّروا.. كان نزار يسافر بين محطات الجرح إلى أن بلغ منفاه في أوروبا وتوفي بين ذراعي الغربة.. وفي حقيقة الأمر أن النكهة الإبداعية المتميزة في شعر نزار قياني لا يرجع سرها إلى عبق الحزن فقط ولكن إلى تلك الخلطة التي ينعجن فيها رحيق التمرد والشجاعة مع مرارة الألم .. لقد كان نزار شاعرا كبيرا لأنه كان كبيرا بمواقفه وآرائه وليس فقط بمساحه أحزانه، فالمتأمل في شعره يلمس أن ذروة الألم عنده كانت تولد ثورة الغضب وليس ذروة الانكسار. فحين رحلت بلقيس زوجته وحبيبته رثاها وهو ينزف دما ودمعا . كان مطلع قصيدته مشحونا بالثورة والغضب وليس فقط بالحزن وحده، إذ قال يومها: "شكرا لكم شكرا لكم فحبيبتي قتلت وصار يوسعكم أن تشربوا كأسا على قبر الشهيدة وقصيدتي اغتيلت وهل من أمة في الأرض إلا نحن تغتال القصيدة"؟ لقد كان نزار يؤمن بأن للمجد ثمنا وهذا الثمن لا يقدر على تسديده سوى الكاتب التصادمي الذي يرفض التصالح مع واقعه وليس كما فعل بعض الانتهازيين . المبدع في نظره هو الذي يخرج عن المألوف ويحدث الدهشة ويشعل النيران في جسد الملمات.. وأتذكر قولاً مأثوراً ومهماً قاله ونسير نحن جميعا ونقتفي أثره، قال نزار: لقد قررت أن أدخل في حرب مع القبح والخيانة والتنكر للأوطان ولا رجعة عن هذا القرار فإذا لم استطيع وقف جيش الروم أو زحف التتار وإذا لم استطيع أن اقتل الوحش فعزائي أنني سأحدث على الأقل ثقبا في الجدار جدار الملمات والأفكار الرجعية والانتهازية الجامدة. سيبقى نزار قياني في قلوبنا وردة بيضاء للحب والسلام. طائرتي تحلق هذه الساعة في سماء لينان وتهبط وتحل في أمن وسلام وتزور مثوى الراحل العملاق " منصور الرحباني"كان منصور قد رحل عن عالمنا في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير من هذا العام، ورحيل منصور الرحباني ليس رحيلا لذاكرة وطيّا لحقبة ماضية .. انه رحيل لحاضر أيضا.. ذلك إن منصور الرحباني رحل وهو لا يزال يقدم أعماله المسرحية التي تضاعفت قبل رحيله بتضاعف الأحداث السياسة في لبنان والعالم العربي .. رحل ومسرحيته "عودة الفينيق" تعرض في كازينو لينان وقبلها " أخر أيام سقراط " و" جبران والنبي" و المتنبي" و" ملوك الطوائف"، وكلها تصب في السياسة وفي الانقسامات السياسة اللبنانية والعربية عبر إسقاطات تاريخية واستعارات لرموز من الماضي .. وقد شكل منصور مع شقيقه الراحل عاصي الرحباني مع الكبيرة العظيمة فيروز أمد الله في عمرها هوية جامعة للبنان , من الصعب تصور لبنان من دونهم إضافة إلى عباقرة آخرين كوديع الصافي وصباح و فيلمون وهبي ونصري شمس الدين وزكي ناصيف وغيرهم. ولم يجتمع اللبنانيون على أمر مثل اجتماعهم علي حب هؤلاء وتقدير أعمالهم وتخليدهم. كل ذلك لم يحدث من خلال خطاب سياسي مباشر بل من خلال إعادة إنتاج البيئة اللبنانية , إعادة إنتاج القرية والبحر والجبل والعادات والتقاليد والحياة اليومية ..تلك الرموز أضحت قاسما مشتركا للبنانيين جميعا ..كان الرحابنة يغنون لبنان بصوت فيروز من جنوبه إلى بقاعه ومن شماله إلى جبله ومن بيروت إلى صيدا وصور وبعلبك ومشغرة الذائبة من ثلوج جبل الشيخ. وكانت موسيقى منصور وعاصي طليعية ورائدة في العالم العربي، بل إنها أحدثت شبه ثورة في مطلع الخمسينيات في عصر العمالقة. صحيح انها كانت مستعارة أحيانا في بعض جملها ولكنها بمرور الزمن أصبحت موسيقى رحبانية أكثر منهما شرقية أو غربية. وعمل منصور مع شقيقه عاصي رحمهما الله على إخراج الغناء العربي من الميلودراما والتطريب والتطويل والإعادة إلى جماليات التلميح والحساسية المبتكرة في التراكيب والفرح. أما مسرحهم الغنائي فالحديث يطول عنه ولا ينتهي ونؤجله إلى مناسبة أخرى. وغناء الرحابنة بتلك الشعرية العالية لم يحدث ذلك ابدا من قبل في الفولكلور اللبناني. ولنلقِ الضوء على منصور اكثر وحديثنا اليوم عنه . كان منصور الرحباني رجلا عملاقا باعماله وشغله وتفكيره في الشعر والكتابة والتلحين والتأليف المسرحي. ومنصور وعاصي توقيع واحد وإمضاء واحد ورجلان اثنان. وحين سقط ورحل النصف اللماع عاصي، ظل منصور يحاول أن يعيد للتوقيع ثنائيته القديمة ..منصور وعاصي كانا معا راهبين في كنيسة اسمها الكوكب يشتغلان على الروح كأنهما يشتغلان على الله . وبقدر انتماء الاثنين إلى التراث الموسيقي العربي، استوعبا كل الثقافات الموسيقية العالمية والمعاصرة، وما قدّماه يستحق ان نعيشه ونغنيه. وبرغم انقطاع منصور عن التلحين والكتابة لفيروز بعد رحيل عاصي إلا أنه ظل يقدم بمعدل كل سنتين عملا مسرحيا ضخما. وللتاريخ نذكر ان عاصي كان يهتم باللحن بينما كان منصور يهتم بالكلمة، لكن كلاً منهما كان يكمل الآخر. وعظمة منصور انه اختصر فلسفة الحياة والموت ومعنى وجود الإنسان على الأرض في قصيدته الاخيره قبل رحيله " مثل الريح" والريح ما الو بيت، فلسفة لو أدركها الإنسان لوصل إلى الكمال محققا العدل والمحبة والسلام، فلسفة علي بساطتها أراد ان يكشف لنا بها منصور عن سر الروح الساكنة جسد الإنسان كبيت مؤقت نستأجره لفترة زمنية تنجز بواسطته مهمة أوكلت إليها لتتخلى عنه بعد اتمامها تاركه مصيره إلى التراب. وكأن منصور الرحباني في قصيدته الاخيره أراد أن يعلن عن موعد اقتراب نهاية عقد الإيجار بين روحه وجسده. بعد أن أكمل الرسالة مثل الريح، ترك منصور بيته الأرضي ليحلق بسماء الكون الرحيب ذارفا دمعه بل دموعاً على مصير الأرض التي يتحكم بها جهلاء وجشعه مال وعبيد كراسي حكم . تحية لمنصور الرحباني الذي رحل في يوم الغزو الهمجي الإسرائيلي على غزة. تحية لمهرجانات يعليك . تحية إلي جبل صنين ونيحا و"بياع الخواتم"، إلى "ميس الريم " و " سفر برلك" و " بنت الحارس" . في القلب تبقون محفورين في ذاكرة كل الأجيال، وليس فقط على رمل الطريق، تبقى الحائك وكلماتك مع عاصي في القلب مشعة برّاقة موهجة، تفوق كل وصف ، خسرنا منصور كما خسرنا عاصي من قبل، وخسرنا المحاولات التي لم تتم، وخسرنا رفيقا لعاصي يروي عنه وله . ونخسر جذعا قادرا وموهوبا في الشجرة الرحبانية التي يمتد فيؤها إلى البعيد وحيث البعيد البعيد.
|