Advertisement
ولنا كلمــة: عندما تسنُّ السلطات العربية شرائعها على مقاس بنطال المرأة Print Send to Friend
نادية عيلبوني   
23/ 10/ 2009

لا يسع المرء أمام غرائبية تصرفات بعض السلطات العربية ولا معقوليتها، وطريقتها في إهانة الكرامة البشرية لشعوبها، إلا أن يشعر بالخجل والغضب والمقت، لما وصلت إليه الحال.  وكثيرا ما تدفعنا تلك الجرائم المرتكبة  بحق الانسان وبحق عقله وحريته، إلى التساؤل الجدي عن إذا ما كان بعض الحكام في المنطقة العربية، قد عرفوا حقاً ما هي المدنية، أم أنهم انتقلوا على الفور وبدون أية مقدمات، من الأدغال ومجاهلها إلى حكم المدن.

وربما تمنى بعضنا حقيقة، أمام قسوة وهمجية ما يراه وما يسمعه من أعمال يندى لها الجبين على أيدي بعض هذه السلطات، أن يكون الإعلام الذي ينقل لنا تلك الأنباء، إعلاماً "مغرضاً" و"مشبوهاً" و"حاقداً" و"مستهدفاً" بدون وجه حق،  تشويه سمعتنا كعرب ومسلمين.
إلا أن بعض الأنظمة العربية، بتصرفاتها التي تتجاوز وبخفة كل حدود المنطق والمعقول، لا تترك لنا أية فرصة للدفاع عنها أمام أي أحد.  ليس فقط لأن حجم الجرائم التي ترتكبها بأبسط حقوق البشر لديها كبيرة وفظيعة، إلى الحد الذي يتعذر معه إخفاؤها أو تبريرها، بل بصورة أكثر خصوصية، لأن حجم التجبر والاستهانة بحياة الشعوب وكرامتها قد تجاوز الأساطير وفاق بما لا يقاس، قدرة خيال أي "مغرض" أو "حاقد"، عن الوصف. 
كنا نتمنى أن يكون خبر تنفيذ حكم الجلد بعشر نساء سودانيات لارتدائهن البنطال، وأيضا الحكم على الصحافية لبنى أحمد بالجلد ودفع غرامة مالية، للسبب ذاته، خبراً ملفقاً.
ولكن الخبر حقيقي!!  والحدث لم يقع في "هنولولو"، ولا في جزائر الـ "واق واق"، وهو إضافة إلى ذلك ليس من "فبركات" دول الاستكبار العالمي المعادية "لديننا" و"أمتنا"، كما أن نص القانون الذي يحمل رقم 152 الذي حوكمت النساء السودانيات، بموجبه بالجلد، لم يكن قانوناً مفروضاً من محكمة دولية جنائية متعاونة مع الدوائر الصهيونية، ولا هو من بنات أفكار قضاة غربيين "حاقدين" وتحركهم أصابع معادية.
 إننا حقيقة، نجد من الصعب، الذي يصل إلى حد المستحيل، أن ننبري للدفاع عن هذا الاحتقار المفرط والفظ للإنسانية والإنسان، الذي ربما، لم تشهد المجتمعات البشرية له مثيلا، في وجه أي أحد، ومهما كانت الاعتبارات والتبريرات.
وربما يعذرنا أصحاب الشعارات من الذين ينفخون ليل نهار بكور عداء الغير لنا، عن أننا نحن النساء على وجه الخصوص، ما عدنا بقادرات على استيعاب كل تلك  المخازي والهلوسات التي لا تسيء لنا فحسب، بل أيضاً،  تضعنا جميعاً أمام العالم، أنظمةً وشعوباً، موضع الشك في إنسانيتنا وفي قدراتنا العقلية والنفسية.
غريب أمر تلك القوانين السوداء التي تدعي لنفسها تنفيذ ما أقره الله من شرائع على الناس، عندما تتذكر فقط  المرأة ولباسها، في الوقت الذي تتجاهل تماما دور الدولة وواجباتها ومسؤوليتها عن تأمين لقمة العيش والصحة والتعليم والأمن الاجتماعي لشعبها.  ولا يمكن لعاقل أن يصدق حرص هذه السلطات على تطبيق الشريعة من خلال ملاحقة النساء وجلد أولئك اللواتي يرتدين البنطال في الأعراس والاحتفالات، في الوقت الذي يسرح ويمرح فيه مغتصبو الآلاف من نساء المسلمين  في دارفور على يد القوات الحكومية.  كيف لنا أن نصدق دعوى الحرص الديني المزعوم على شرف المرأة المسلمة من البنطال، في الوقت الذي تغيب فيه القوانين التي تعاقب مرتكبي الاغتصاب الجماعي من النساء؟
لقد قتل مئات الآلاف من المسلمين على أيدي أبناء جلدتهم، في قرى ومناطق وبلدات إقليم دارفور، كما شرد الملايين من هؤلاء دون أن  يكلف أي مشرع، أو أي قاضٍ نفسه، عناء سن قانون واحد يحرّم أو يعاقب القتلة والمجرمين، لا بالجلد ولا بغيره من العقوبات.
وختاماً، يجب أن نذكر أولئك الماضين في غيهم، وفقههم المزعوم، ورؤاهم الإجرامية الصادرة عن روح عداونية تنسب اعتباطاً وزوراً إلى الخالق، أن دور الدولة في أي مجتمع بشري، لا يمكن أن يتحقق من  خلال إجبار الناس على ارتداء الملابس التي تروق للحاكم، ولا من خلال سن التشريعات والقوانين التي تريد استعباد الناس والحجر على حرياتهم الشخصية، بل أن مهماتها تتحدد في المقام الأول والأخير، في تأمين سبل العيش الكريم والآمن لكافة أفرادها.
ويا حبذا لو أدرك الحكام المعنيون هذا الدور الذي اغتصبوه زورًا وبهتاناً، عندما صبغوا على أنفسهم صفات إلهية لم تر في الشرع والقوانين سوى وسيلة لإذلال البشر.

هؤلاء يجب أن يجتهدوا كثيراً، ويستخدموا عقولهم بطريقة أجدى، ليكونوا قادرين على أدراك واكتشاف، أن إرادة الله وشرعه وقوانينه هي أوسع كثيراً من  بنطلونات نساءنا. 

 
< السابق

 
 

 

 
 

Association of Arab-Austrian Women © 2007