|
فدا جريس
|
|
05/ 08/ 2009 |
جلس فوزي في بيته متربعاً على الأريكة يتفرج على التلفزيون، وحركة المساء الاعتيادية حوله. زوجته في المطبخ تغسل أطباق العشاء، والأولاد في غرفتهم وصوتهم يعلو بالضجيج أحياناً. من وقت الى آخر يمر أحد في الطريق أمام المنزل فيشرئب فوزي بعنقه ناظراً من الشباك ليحدد هوية المارّة. لذا فقد رأى جاره سليم وهو يدنو من الباب وسمع بعدها طرقاته الخفيفة فهتف "اتفضّل!". ودخل الرجل فدعاه فوزي للجلوس، وطرف ابتسامة يرتسم على شفتيه فهو يعلم ما يحدث تماماً. وقد أكّد سليم ظنه ولم يتأخر في قتح الموضوع الذي جاء من أجله، بمجرد ما انتهيا من الأسئلة الروتينية حول البيت والعمل والعائلة.
" فوزي، بدنا ايدك معنا هاي الجولة." "رقبتي!" "تسلم وتعيش... انا كنت عارف انك من عظمنا، وما بتفشّلنا أبداً." "مش عيب يا زلمة؟ احنا اخوة!" "والله وهيك كان العشم." "مية أهلين ومرحبا... بس يا جار..." "بس شو؟" "يعني كل سنة منطلع ومنصوّت وما حدا بيعبّرنا." "كيف يعني؟" "يعني سلامة فهمك... اللي بيتوظف... واللي بيوخذ له قرشين حلوين... واللي بتسامحه البلدية بفواتير الكهرباء والميّ... يعني الذي منه. واحنا يا حسرتي، منعطي اصواتنا سنة ورا سنة وكأنه مفروغ منه. يعني لازم نطلع من المولد بلا حمص؟ ولا عشان ما بنخون العهد ما النا قيمة؟" "لا يا زلمة! شو هالحكي؟! ما عاش اللي ما بيعمل لك قيمة!" "طيب التفتوا لنا شوي..." عبث سليم بشاربه قائلاً : "ولو يا أبو الفوز. انت على راسنا وعيننا. شو بتأمر حبيبي؟" "انا والله ما بدي اشي... وديروا بالكم هاي السنة عندي صوت زيادة ها! هاي بنتي فوزية اسم الله عليها طبقت التمانتعشر سنة، يعني صوتها إلكم كمان. بس لو تجبروا بخاطرها وتلاقولها شغلة بسيطة، في البلدية أو الحضانة أو دار المسنين، شو ما كان. لأنو ما باخبي عليك، البنت مش كتير في المدرسة، طالعة لأبوها وأمها يا حسرتي." وقهقه ضاحكاً.فكر سليم قليلاً ورشف من القهوة التي قدمتها زوجة فوزي وهي تنظر الى زوجها بامتنان. والله انه فوزي شاطر! هي كانت ستموت خجلاً قبل ان تطلب شيئاً كهذا! بس هو اسم الله عليه ولا هامّه – شوفي كيف قاعد وجاعص مثل الملك وهم بييجوا لعنده! لازم أبخّره!وأتى الرد: "أبو الفوز، غالي والطلب رخيص! خلّيني احكي لك مع الجماعة."أضاء وجه فوزي وشكره وانصرف جاره بعد أن وعده بالرد عليه قريباً. تنهد فوزي بارتياح بعد خروج الرجل وتربع ثانية على الأريكة.بعد يومين استوقفه أحد أقاربه وحثه على الدخول الى بيته، فدخل وهو يعلم تقريباً ما الموضوع. همس قريبه حين أصبحا على انفراد: "فوزي، انا باعرف انك كل سنة بتصوّت مع حاتم ضوّ، بس ما بيصير. مرشحنا هاي السنة هو الدكتور كمال. زلمة متعلم وبيفهم، ورح يعمل أشياء منيحة للبلد، وانا قلت بدي أحكي معك!"تململ فوزي في مقعده وهو يتظاهر بالدهشة والتفكير. فسارع قريبه الى الاكمال: "يعني شو ماخذ منهم؟ كل مرة بطلعوا بيرجّعوا البلد عشر سنين لَوَرا!" تساءل فوزي بمكر: "يعني انتو حاملين هم البلد؟" "طبعاً! شو لكن؟ ما في اشي فوق المصلحة العامة!" "مفهوم... مفهوم... بس انت عارف اني ما باقدر اغيّر صوتي هيك..." "فوزي، احنا أملنا كبير وبدنا اياك. انا باعرف انه عليك فاتورة كبيرة مستحقة للبلدية عشان ضريبة الأملاك. اذا صوّتت معنا، اعتبر الفاتورة واصلة!" لمعت عينا فوزي. احلوّت اللعبة... "خلّيني أفكر في الموضوع." بذكائه علم انه لا يجب أن يبدو متهافتاً، فسينكشف أمره. "بس ما تطوّل عليّ. ما عاد في وقت كتير، وبدنا نرتب حالنا الله يخلّيك!" "طيب. أعطيني يومين تلاتة. سعيدة."وقفل راجعاً وظل ابتسامة يلعب على شفتيه ثانية.عرّج الى الدكان واشترى علبتين من السجائر ومضى الى بيته وهو يدخن متلذذاً.فوجئ لوجود سيارة غريبة امام البيت. من هذا؟ هرول مسرعاً الى الداخل واذ بشكري، محاسب البلدية، واخيه يجلسان لديه. رحب فوزي بهما بحرارة قائلاً: "يا أهلاً! أهلاً أهلاً بالأفاضل! هياكم اجيتوا والعشا في الوجه! بدكم تتعشوا معنا!" حاول الرجلان الرفض لكنه لم يعطهما اي مجال. فقام الجميع الى مائدة العشاء وفوزي مستمتع بالموقف وعالم انهما يريدان الانتهاء من الأكل بسرعة حتى يفتحا الموضوع الذي جاءا من أجله. تمالك ابتسامته الخفية ثانية وهو يفكر "شو هذا؟ الخير جاي ورا بعضه!" ورحب ثانية بالرجلين اللذين انفرجت اساريرهما حين انتهت الوجبة. وعادوا جميعاً الى الصالون. وفوزي يتحدث في مواضيع عامة وكأنه لا يفهم شيئاً. فتنحنح شكري قائلاً: "فوزي، لمين رح تصوّت هاي السنة؟" بدا عليه الاستغراب للسؤال وقال بصوت خفيض "هه؟ ما انتو عارفين يا شباب." واذ بشكري يتكلم "من الآخر" قائلاً: "بس أنا نازل لرئاسة البلدية وبدي اياك معي." تظاهر فوزي بالدهشة الشديدة، رغم انه كان يعرف كل هذه الأخبار بدقة، حتى انه كان على علم بعدد الأصوات المتوقعة، حتى الآن، لكل مرشح. لكنه فتح عينيه باتساع سائلاً "والله؟!" "آه. شو رأيك؟" مرة أخرى بدا صامتاً متفكراً. العبها منيح يا فوزي، هذا مليان. أخذ نفساً عميقاً بينما أعين الاثنين متعلقة به. "والله يا شكري انت فاجأتني..." "ول يا زلمة كيف بتعرفش؟ كل البلد عارفة!" "الحقيقة انا ما باتدخّل بالانتخابات كتير... ولا حتى باعرف مين مرشح بالضبط. بالعادة كل جولة باعطي صوتي انا وعيلتي لحاتم ضوّ متل ما بتعرفوا..." "حاتم صار أخبار قديمة. الجديد عنّا." تعجبه ثقة شكري بنفسه. هذا الرجل يوحي بأنه اذا صمم على شيئ فاستحالة الا ينفذه. فتحت لك طاقة الفرج يا فوزي. "يا جماعة، والله مش عارف شو اقول لكم. انت قدها وقدود يا شكري. بس انا متل ما قلت..." بدا على شكري انه ليس لديه الوقت ليضيعه. نظر حوله بسرعة وحين اطمأن الى عدم وجود أحد معهم (فقد أعطى فوزي تعليمات صارمة لزوجته والأولاد بالاختفاء الكامل، ووقفت زوجته وراء الباب الموصد تسترق السمع) مال على فوزي بسرعة هامساً "عشرة آلاف". "شو؟!" "عشرة آلاف، أصواتكم انت ومرتك وولادك الكبار. واذا جبت حدا من اخوتك بيصيروا عشرين." اتسعت عينا فوزي في ذهول. ثم تدارك نفسه بسرعة وتدخل الشيطان المتيقظ أبداً بداخله. "خمسة عشر ألف." "فوزي!" "بدي أغيّر كل مساري! كمان مش سهل اتخلى عن قائمة صار لي عمر معها!"نظر اليه الآخر بتفحص. ورسم فوزي على وجهه سحابة من القلق المتوتر، ليوحي بخطورة الشيئ المطلوب منه. نظر شكري وأخوه أحدهما الى الآخر ثم الى فوزي الذي بقي عابساً. وسادت بضع ثوان من الصمت قبل أن يقول شكري بما يشبه الحنق: "ماشي."اراد فوزي القفز عن الكرسي. لكنه تمالك نفسه بصعوبة. ابتلع ريقه حتى لا يحس الرجلان باشتعال عواطفه. خمسة عشر ألفاً! سيقلب البيت! سيقتني أثاثاً جديداً! سيبدأ في بناء طابق لابنه حتى يزوجه! س...افاق على صوت شكري "يعني اعتبر هذا وعد؟"وهنا أضاء وجهه وهتف "على رقبتي!"لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح عينيه محدقاً في السقف ثم تقلب في الفراش الى أن استيقظت زوجته وسألته عما به، فتمتم انه لا يستطيع النوم. ابتسمت وسألته ان كان يريد شاياً، وحين بدا مشغول الفكر وتمتم باجابة مبهمة قامت من تلقاء نفسها وأعدت كوبين من الشاي لهما. جلسا في الصالة يتحادثان وقص عليها فوزي كل ما حدث. انه يأتمنها على كل شيئ، فزوجته أصيلة وكاتمة لسرّه وهو يحمد الله انه اهداه امرأة مثلها. وهي من طرفها تكنّ له كل الحب، فهي ترى فيه الرجل الذكي قوي الشخصية القادرعلى انتهاز الفرص. ولمعت عيناها وهي تقول "والله لازم أبخّرك!" فانفجر ضاحكاً: "هذا هو تعليقك على كل اللي حكيت لك اياه؟ والله انكن ناقصات عقل!" فابتسمت في عتاب قائلة: "اسم الله عليك با أبو الفوز... ما عندي تعليق. الله يوفقك!"ما ان اشرقت شمس الصباح وفوزي يهيئ نفسه للذهاب الى العمل حتى سمع طرقاً على الباب. من الآتي في هذه الساعة؟! فتح الباب واذا بجاره يقف في الخارج. "صباح الخير!" فرد دهشاً "صباح النور سليم! اتفضّل!" "ما بدي أزعجك. بس قلت اذا عم تشرب قهوة باشرب معك قبل ما نتسهّل عالشغل..." "ولو! اتفضّل!" وصب لهما القهوة. "فوزي، شو كانوا شكري وأخوه يعملوا عندك ليلة امبارح؟" حسناً. لقد فهم. "أبداً. جايين بدهم اصواتنا." "وشو قلتلهم؟!" "ما فشروا!" تنهد جاره بارتياح. لكن القلق عاود وجهه ثانية. "بس طوّلوا عندك!" "ما هو لأني رفضت. ظلوا يعيدوا ويرغوا لحد ما بالآخر قلتلهم بالمشبرح – يا جماعة الحكي ما في منه فايدة. شو هذا يا جار؟ ما بيحلّوا!" وافقه سليم قائلاً: "آه والله. شكري مفكّر حاله قدّ الرئاسة!" "مزبوط. شو هاي الناس؟ مش طالع من البيضة وبدو يصير زعيم!" ضحك سليم ومضى خارجاً الى عمله وهو يهمس لفوزي: "على فكرة سألتلك الجماعة، وقالوا لي طلبك عنّا." "من دون طلب يا جار! انتو على عيني وراسي! الله معك!" ثم حين خرج سليم، أطرق مفكراً وهز رأسه مغتبطاً "هاي واحدة ضمنناها."لكنه لم يستطع التركيز في عمله ذلك اليوم. كان في دوامة من التفكير. لقد عرض عليه شكري نفس المبلغ اذا استطاع فوزي اقناع اي من اخوته بالتصويت معهم. أي أنه، اذا احضر اخوته الثلاثة ممكن ان يحصل على ما يقارب التسعين ألفاً! زاغت عيناه لمجرد الفكرة. لكن... لا يستطيع فعل ذلك فسينكشف أمره. اذ سينقل اخوته لحاتم (اذا رفضوا) عدم نيته التصويت معه، وبالتالي سيخسر حاتم. وفكر وهو في حيرة شديدة: وماذا اذا خسرته؟ ثم تمتم لنفسه قائلاً: "شوي شوي يا فوزي... اذا سقط شكري وجماعته رح تطلع فاشوش... وفي المرة الجاية ما حدا رح يصدقك. خلّيك العب ع صغير وما تطمع. بيكفيك اللي أخذته لحد الآن!" لكنه لم يتمالك نفسه من أن يزفر "بس آخ... لو أضمنهم هذول الكلاب!" مشيراً الى اخوته!ظل في هذا الحال من الحيرة والتقلب الى أن وصل البيت. كان مرهقاً مشدود الأعصاب، فهو يشعر باغراء شديد تجاه المبلغ من جهة، وبحرصه على حماية نفسه وعدم كشف أوراقه من جهة. استلقى على الكنبة ونام اعياءاً وهو مقتنع بوجوب السكوت للحفاظ على مصلحته. ما ان أغمضت عيناه حتى أحس بيد توقظه، واذ بقريبه يقف فوق رأسه بما يشبه الاعتذار بينما زوجته تقول "اتفضّل صبحي، اتفضّل!" ونظر فوزي اليها في حنق قائلاً في سره "يعني ما كنتي تعرفي تصرفيه وتخلّيني أرتاح؟" لكنه اجتر ابتسامة ورحب بقريبه الذي جلس سائلاً اياه على الفور "شو أبو الفوز؟ فكرت بالموضوع؟""أكيد. ولا يهمك. قررت أصوّت معكم هاي الجولة!" وتهللت أسارير الرجل وهو يقول فرحاً: "واحنا عند وعدنا! بارك الله فيك! بس رح تقدر توقف قدام حاتم ضوّ وجماعته؟ خاصة انه أخوتك كلهم مصوّتين معه!" "لا ضوّ ولا عتمة! عيب يا زلمة!" فقال له الآخر: "قدّها وقدود يا أبو الفوز. رح تكون كتير مبسوط معنا. الدكتور كمال فشّ زيه! لازم أروح، عن اذنك. ورانا شغل كثير مثل ما بتعرف." "آه طبعاً! الله يوفقكم! رح ننجح بهمّتكم ان شاء الله!"بعد يومين كان متربعاً على الأريكة ثانيةً يتفرج على مسلسل مع زوجته ويرقب الشارع من حين لآخر، حين عاد شكري لزيارته. وهب فوزي واقفاً وهو يؤهّل بحماس: "يا أهلاً وسهلاً! زارتنا البركة! ثم لزوجته "حضّري العشا بسرعة!" فضحك شكري قائلاً "لا يا فوزي مش كل مرة! فنجان قهوة ومنكون ممنونين!"وجلسا. وكعادته دخل شكري مباشرة في الموضوع. "فوزي، انا زلمة واضح وصريح وباحب الناس الواضحين معي." "طبعاً! مفهوم!" "في ناس قالولي انه زلام حاتم وكمان جماعة كمال كانوا عندك. شو القصة؟ على علمي أعطيتنا كلمة؟" "طبعاً! وانا عند كلمتي! بس هم متل ما بتعرف، بيدوروا عالبلد كلها حتى يجيبوا اصوات، واجوا لعندي قلتلهم أهلا وسهلا وسقيتهم قهوة، بس قلتلهم انه ما في نصيب وانه صوتي رايح. ما حبّيت حتى أجيب سيرتك – بلاش يعرفوا قوتنا وعدد الناخبين عنّا!"نظر اليه الرجل بامعان. لكن فوزي كان بارعاً في اختلاق الأكاذيب لدرجة انه يعيش الدور كاملاً. حتى زوجته سألت نفسها ان كان ما يقوله صحيحاً!وخلال نصف ساعة كان شكري يحتسي القهوة باطمئنان كامل ويأكل الحلوى ويتبادل النوادر ويضحك مع فوزي، ثم خرج بعد ان همس له: "رح تنبسط معنا يا أبو الفوز".تربع فوزي ثانية على الأريكة يفرك يديه في سعادة. لكن هناءه لم يدم طويلاً، فقد اتى اخوته الثلاثة لزيارته بعد ساعة وعلى وجوههم الحنق والغضب. "فوزي، احنا كل عمرنا ماشيين في هذا الطريق وما بيصير تتخلى عنا!" "ومين متخلّي عنكم؟" "لكن شو بيعمل شكري فايت طالع لعندك كل يومين؟" "بيحاول. الزلمة اجا ع بيتي – أطرده يعني؟! استقبال الضيف واجب! هيّاني مستقبلكم وانتو نازلين فيّ!" "بس ضيافة؟! لو انت مش واعده باشي ما بييجي هالقد!" "بالعكس يا أفاضل يا شاطرين – لو انه ضامن صوتي ما كان في حاجة يظل يروح وييجي!"أراد احد اخوته أن يستمر في النقاش فنفذ صبر فوزي وقرر ان افضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. فعلا صوته بحدة "انت واياه من ايمتا بترفعوا صوتكم عليّ؟ انا اخوكم الكبير! وانا ماشي معكم ومع حاتم – مش كل ما حدا اجا ع بيتي بتيجوا وتعملوا لي موال! يا غيّروا هاي السيرة يا تفضلوا!"تراجع اخوته ناظرين اليه بحرج. وهنا تدخلت زوجته لتهدئة الموقف قائلة "فوزي، فكها خلص، شوف ما احلى هالقعدة، كل اخوتك حواليك! يا جماعة بدنا نشوي لحمة – شو رايكم تتعشوا معنا؟" وصوبت الى فوزي نظرة ذات معنى، فتنهد قائلاً : "أمري لله – هاتوا تنوكل مع بعض يا جماعة، والله ما في شي محرز، انتو اخوتي". وببراعته قلب الموقف تماماً، وبات اخوته في حال من الحرج زاد عليها استضافته لهم وشواء كميات من اللحوم واطعام الجميع. وساد البيت جو احتفالي وقضوا ليلة جميلة أكلوا وشربوا الكثير فيها وانصرف الجميع سعداء هانئين. وابتسامة فوزي الخفية تظهر من حين الى آخر ولا يلحظها أحد.أتى يوم الانتخابات. والقرية في حالة غليان. المناورات تسير بشدة لكسب، الأصوات والوعود تُنثر يميناً وشمالاً، والعد التنازلي يرفع حدة التوتر والترقب. ذهب فوزي الى مركز الاقتراع وعائلته وهو يختال كالطاووس وابتسامته الخفية تعبث بشفتيه. انه رابح في اي حال واي نتيجة.وفاز الائتلاف بين شكري وحاتم الذي عُقد في الأيام الأخيرة حين ايقن كل منهما انه لن يستطيع الفوز بمفرده.توظفت ابنة فوزي في البلدية، وقبض أبوها خمسة عشر ألفاً. ولا أحد من الأطراف يجرؤ على ابلاغ الآخر بالرشاوي التي دفعها، حتى لا يحال للمحاكمة. انهم حريصون على عدم افشاء سره... أكثر من حرصه!وفكر وهو يهز رأسه: "لا بأس. خسرنا فاتورة البلدية، لكن المبلغ الذي قبضته يسددها ويبقى منه الكثير".ضحك طويلاً وهو عائد الى البيت. الآن يبدأ الجزء الأخير من خطته، وهو الاختفاء الكامل لبضعة أسابيع وعدم الحديث في سيرة الانتخابات حتى لا يثير الشبهات. جميل أن يكون كل طرف على يقين من ان فوزي في صفه. وحقيقةً، هذا ليس بعيداً عن الصدق... ففوزي يحب الجميع!بلسم، العـدد 25، 2009 |