Advertisement
اكتبنـــــي Print Send to Friend
فيفيـان عيلبوني   
04/ 08/ 2009

" اكتبني"، قالت لي "مي" عندما قابلتها للمرة الأولى
كانت حفلة مقامة لتكريمي بعد نيلي جائزة أفضل كاتب روائي لذلك العام، وكانت هي احدى المدعوات وأجملهن.
لم أجبها حينها لكني لم أرفع عيني عنها تلك الليلة وكأنها سحرتني بكلماتها وجمالها، أنا الذي سحرت جيلا كاملا بكلماتي ورواياتي ..

"اكتبني"، رددتها ثانية عندما اتصلت بي في اليوم التالي .
لم أتوقع اتصالها ، فقد كان صعباً علي أن أصدق أن شعلة الصبا والجمال هذه قد تتصل برجل تخطى الخامسة والستين مثلي ...
طلبت "مي" مقابلتي فدعوتها إلى العشاء ... ووافقت
لم أكن لأظن ان قلب رجل في مثل سني سيستطيع تحمل كل تلك الإثارة التي عشتها معها منذ تلك الليلة،
لكنه ، ذلك القلب الجريء المغامر ، استطاع ذلك بالرغم من كل شيء
  
"اكتبني"، رددتها مئات المرات بعدها.  وعندما كنت ابتسم بتهكم و أسألها "و ماذا تريدينني أن أكتب ؟"،
 كانت تجيبني  بغرور يثيرني:  "اكتب ما تراه ، ما تعيشه معي ، ما أقصه عليك من أحداث عشتها ...        
اكتب كل شيء عني ، كل شيء" .
اكتبني اريد أن أخلد في كلمات تكتبها أنت ، لن أمر في الحياة هكذا مرور الكرام فأنا انسانة غير عادية". 
وافقت أن أكتب عنها، لكن بصراحة جل ما كنت أريده هو أن أتقرب منها ، أن أحبها ، أن أحظى بها عشيقة من عشيقاتي ... قصة روائية أخرى من قصص واقعي الحقيقية .
باتت تتردد على مكتبي كل يوم ، تدخل علي بعبير عطرها الذي يزلزلني فتنحني زوايا الغرفة من انوثتها .
تنظر الي بعينيها الساحرتين فأنسى من أنا ولمَ هي هنا وماذا تريد مني .
تبدأ بالكلام بصوتها المبحوح فأهيم في عالم آخر لم أطأ أرضه المقدسة من قبل .
كانت تروي لي قصصا وأحداثا تدعي أنها عاشتها وعانتها ، ومع أني لم أكن أصدق كلمة واحدة مما كانت تقول، كنت أعشق كذبها
كانت أحيانا تتوقف عن الكلام لتسألني:  "لماذا لا تكتب ما أرويه لك؟"، فأجيبها بأني أحفظ كل ما تقول وسأكتبه  لاحقا بطريقتي الخاصة
طبعا، كنت أكذب في ذلك تماما كما كانت تكذب هي، لكنني لم أدرك أن ذلك الكذب المشترك سينتهي بنا عاشقين ...

أحببت "مي" بجنون كما لم أحب أحدا من قبل .
عرفت من النساء ما عرفت وتزوجت مرتين ولم أكمل مع أي واحدة منهن ، إلا أني لم أختبر إحساسا كالذي عشته معها !
اكتشفت أن كل ما كتبته طوال حياتي عن الحب كان وهما .
وأن ما وصفته في النساء - على كثرته -  كان قليلا عليهن .
وتيقنت من أني عشت خمسا وستين عاما دون أن أحيا ...

ليال طوال قضيتها أراقبها وهي نائمة على سريري.
أحسد السرير لأنه يحضن جسدها العاري 
وأحقد على الوسادة لأنها قريبة من وجهها وعنقها
أتأمل شعرها الغجري المنثور على كتفها وظهرها
واقترب من شفتيها حتى ألامسها وأسأل نفسي معاتبا قدري
"ماذا لو كنت قد مت قبل أن أقبل هكذا شفتين هل كان لعمري أن يحسب عمرا ؟! "
أنظر اليها نائمة على سريري فأشكر ربي لوجودها في حياتي وأسأله متوسلا ألا أموت إلا بين أحضانها
ذلك الجسد الضب الذي يصرخ شبابا وحيوية مد جسدي وقلبي بالحياة، حتى بت أشعر كلما نظرت إليها بأني في مثل سنها واني لم أتجاوز الخامسة والعشرين من العمر.  علمتني "مي" معنى الحياة ، روضت عصبيتي ،حطمت روتين حياتي ، أحيت ما بقي من أيامي، فبت أعيش لأني أعيش من أجلها ، لا بل لأني أعيشها هي ...
لم تدم سعادتي معها طويلا ، فما أن اكتشفت حبيبتي "مي" ، وبعد مرور أشهر على علاقتنا ، أني لم أف بوعدي  ولم أكتب شيئا عنها حتى هجرتني
استيقظت ذات صباح ولم أجدها ، هكذا بكل بساطة تركتني ورحلت
لأني لم أكتبها عاقبتني و محتني من حياتها !
بحثت عنها في كل مكان ، سألت عنها في كل المطاعم والملاهي التي تعودت أن ترتادها ، اتصلت بكل معارفها، حاولت جاهدا، لكني لم أعثر لها على أثر، فقررت أن ... أكتبها
ظننت أني عندما أحقق لها أمنيتها وأكتب عنها قد تعود الى حياتي
كتبت وكتبت حتى خلت أن صفحات الدنيا كلها لن تكفي لأروي حكايتي معها
فاضررت إلى أن أختصر وأن أبقي بعضا منها ومن أخبارها لي وحدي كي لا يشاركني فيها أحدا .

وبعد مرور خمسة أشهرمن رحيلها فاجأتني ذات ليلة تدق على بابي
لم أصدق نفسي عندما رأيتها ، حضنتها وأجهشت بالبكاء ...
كانت تبدو متعبة وحزينة ، وقد تكللت عيناها بهالات سوداء لم أعرف لها سببا ، كانت تبدوهزيلة واهنة ترتعش كعصفور فاجأه المطر فلم يجد مكانا يختبىء فيه ...
لم تقل كلمة واحدة بل جلست ترتشف فنجان الشاي الذي أعددته لها وهي شاردة الذهن ...
لم أسألها عن شيء، لا لمَ رحلت ولا لمَ عادت ، ولا حتى ما سبب حزنها وكآبتها .
كنت سعيداجدا بعودتها ولم أكن أريد إلا أن تبقى معي .
يوما بعد يوم، استعادت "مي" حيويتها وعادت الى سابق عهدها معي ومع الدنيا كلها .
لكنها كانت أحيانا كثيرة تنزوي وتجلس في زاوية غرفتها و... تبكي .
كان بكاؤها يفطر قلبي، خصوصا أنني لم أكن أعرف له سببا، إلا أني كنت عندما أراها على هذا الحال أقترب منها بهدوء وأحضنها وأمسح دموعها وأهمس في أذنها أنها معي في أمان من أي شيء في الدنيا .

لم أخبرها أني كتبت عنها وأن الرواية التي تحمل اسمها ستنشر في المكتبات قريبا.  كنت مشتاقاً إلى أن اسمع منها كلمة "أكتبني" من جديد لكنها ... لم تقلها .
شيئ في داخلها كسر ، شيئ في عنفوانها اندثر ، شيئ في أعماقها دفن ، ولم أعرف ما هو وما سببه .
في الحقيقة لم أكن أريد أن اعرف، فقد كان يكفيني وجودها في حياتي . نعم،  كنت أنانيا في حبي لها ولم أجد مانعا من أنانيتي هذه، بل ملأني حبها غروراً أيضا، غروراً ما بعده غرور، فقد كنت أشعر أني أمتلك الدنيا حين كنت أفعل أي شيء يسعدها ، يضحكها ، يريحها ، يعيدها على ما كانت عليه . نشوة لا أستطيع وصفها كانت تعتريني عندما أمشي معها في أي مكان وألحظ عيون الناس تراقبنا باستغراب وعيون الرجال من سني يتابعوننا بحسد . كنت أشعروأنا برفقتها بأني  فارس عاد من الحرب بأكبر الغنائم وأغلاها ، بأني ملك متوج على مملكة لا يستطيع أحد اختراق أسوارها ، بأني الرجل الوحيد في هذه الدنيا الذي استطاع أن يجد الحب مجسدا في امرأة .

الى أن فاجأتها يوم عيد ميلادها بهديتي التي أخفيتها عنها شهوراً طوالاً . روايتي الجديدة بعنوان "مي" وفيها كتبت أجمل ما كتبت في حياتي . أمسكت بالكتاب في ذهول ولم تتفوه بكلمة واحدة بل نظرت الي متسائلة  : "كتبتني؟"
" لقد كنت أجمل ما كتبت "، أجبتها
"لكني لم أعد اريد منك أن تكتبني، بل أنا أضرع الى الله كل يوم كي يمحوني ، لا أريد للعالم أن يعرفني ولم يعد يهمني أن أخلد في رواية، ولم أعد حتى نفس تلك المرأة التي كتبت أو أحببت أنا ..."
حضنتها بشدة كي لا تكمل كلامها وقبلت جبينها المنير وقلت لها :
"أنت أروع ما عشت في حياتي ، بل أنت ما بحثت عنه بين حنايا الكلمات في كل رواياتي ، انت أسلس وأسهل رواية كتبتها لأني عشتها وفهمتها وتفهمتها ، لو مت قبل أن أجسدك في رواية لما كنت اعتبرت نفسي قد كتبت شيئا يستحق الذكر على الإطلاق ،" مي" أنا وفيت بوعدي وكتبتك أرجوكي .. اقرأيني .. وافهميني "

في اليوم التالي، صحوت لأجدها قد هجرتني ثانية ، لكني هذه المرة فهمت سبب رحيلها . هي تشعر بأنها لا تستحقني ولا تستحق حبي لكنها لا تعلم أني لا أريد غيرها امرأة في الكون وأني لن أمل من البحث عنها ومن الكتابة عن قصة حبها حتى يجف القلم في يدي وتستسلم نبضات قلبي للموت بعد حبها .


بلسم ، العـدد 25، 2009

 

 
< السابق   التالي >

 
 

 

 
 

Association of Arab-Austrian Women © 2007