Advertisement
غربة بـدأ أولها في ديـر الدّبـان - الجزء الخامس Print Send to Friend
فيصـل حـوارنـي   
07/ 07/ 2009

غربة بـدأ أولها في ديـر الدّبـان
من كتاب فيصل حوراني:  الوطن في الذاكرة
في الذكرى الستين للنكبة، تنشر "بلسم" الفصول من شهادة فيصل حوراني التي روى فيها قصة مهاجمة قريته وتشريد أهلها في العـام 1948.  هذه الفصول تشكل جزء من كتابه "دروب المنفى، الوطن في الذاكرة"، ونحن ننشرها على حلقات متتالية بدءً من العدد رقم 21.
(الجـزء الخامس)

خلصتني جلبة الصباح من آخر الكوابيس التي افترستني في تلك الليلة. كان الجميع قد نهضوا كأنما أيقظهم زعيق بوق، الوجوه المصفرّة والأجساد التي يبّسها التمدد على الأرض غير الممهدة. وكان أول ما نشده الجميع هو الهواء الطازج. وهكذا، انفلتنا من مدخل المغارة كما ينفلت القطيع الذي طال احتباسه، وانتثرنا في الخارج، وراح كل واحد منا يلين أعضاءه ويملأ رئتيه بالهواء الذي لم تلهبه حرارة الشمس بعد. تمطى الرجال، ومسدت النساء أجنابهن مع حرصهن على دواعي الحشمة، وأعاد الذين ذهبوا إلى المدارس من الأولاد ما عرفوه فيها من التمارين الرياضية، وقلد الأولاد الأصغر هؤلاء وأولئك. أحدثت هذه الحركات بعض الانتعاش في الأمزجة التي تيبست في الليل كما تيبست أجساد أصحابها. وانطلقت الألسنة من محابسها. قال العم محمود: "لا بدّ من أن نعرف الأخبار". وقال الخال محمد يوسف دون أن يظهر من نبرته أنه حانق: "يوم كبقية الأيام، تفوه على الدنيا!". ثم أعلن العم محمود أنه سيستعير بندقية جدّي عبد المجيد ويذهب إلى الصيد فربما أمكن الوقوع على شيء يصاد. فرد خالي عمر:" هل تحلم يا عمّ، لا توجد طلقات". وحين تلقى عمر نظرة العم الآسفة، استدرك: "ربما ينفع المسدس"، ثم جلب المسدس من المغارة وجلس لينظفه. أما جدي عبد المجيد فبقي وحيداً صامتاً ملفوفاً بمشاعر غير قابلة للاختراق. ودخلت أم عدنان إلى المغارة لتتدبر أمر زينتها، فيما راحت جدتي خضرة تلوب هنا وهناك غير أبهة بالأجساد التي تصطدم بها ودون أن يدرك أحد لماذا تلوب على هذا النحو. وأجتذب غالب عدداً من الأولاد ليذهب وإياهم في جولة لم يوضح هدفها. وتحلق بعض الكبار للعب السيجة، فيما أخذت حلقة من النساء تتشكل وينشط فيها الحديث.
وحدها، جدتي مدللة، فكرت بشيء مفيد، وكانت أولى تعليماتها موجهة لي: "أنت عليك العنزة، تأخذها بعد حلبها، ولا بدّ من أن تأكل هذه البهيمة شيئاً". ثم تتابعت تعليمات الجدة، فصار على خالتي شفيقة أن تحلب العنزة، وعلى امرأة العم محمود أن تعدّ العجين حتى يختمر مع الظهيرة، وعلى امرأة الخال محمد يوسف أن تروّب الحليب حتى يطبخ اللبن الرائب لوجبة الغذاء. كما صار على الفتيات أن يجلبن العيدان للوقود. ومع هذه التعليمات، صار مفهوماً أننا لن نحصل على فطور. ومن موقفها أمام مدخل المغارة، قالت الجدّة:"الأفواه كثيرة، فلماذا لا يبحث الناس عن شيء يؤكل"، وشفعت قولها بنظرة مؤنبة ألقتها ناحية أخيها الذي كان يحاول اجتذاب خالي نافذ ليلعب معه السيجة. فأعلن الخال محمد يوسف أنه سيذهب، إذاً، مع العم محمود وعمر للصيد. غير أن العم رفض صراحة اصطحابه معه.
لاءمت المهمة التي أوكلت لي مزاجي تماماً. فقد نما فيّ منذ بداية هذه الرحلة شيء بدّد رغبتي في العبث، ولم أجد لدي ميلاً لمخالطة الآخرين. فأمسكت مقود العنزة وسرت وأنا أجرّها ورائي. ولعل العنزة التي تقاسمنا أنا وهي بؤس الحال قد حزرت الغاية من اقتيادها، فقد تبعتني بيسر، بل راحت تسبقني أحياناً، أو تتنطط حولي باحثة عن شيء تقتات به بين نثار النفايات.
لم يكن حال جماعات المهاجرين الموزعة في هذا القفر أفضل من حال جماعتنا، بل إن معظمها كان في حال أسوأ. والذين لم يسعفهم الحظ في العثور على مستظل كانوا يعرفون ما الذي ينتظرهم حين يستكمل قرص الشمس استعداداته لصب غضب السماء على أجسادهم. وكان هؤلاء يستروحون طراوة الصباح مدركين أن الفرصة قصيرة ولن يلبث أن يكويهم اللهب. والذين افتقروا إلى المؤونة كانوا يعرفون بدورهم ما الذي ينتظرهم مع هذا النهار الطالع الذي لا يحمل لهم أي أمل بإطفاء غلّة الجوع وتجنيبهم ذلّ الوقفة العاجزة إزاء سغب صغارهم. وبين هؤلاء، تقع العين على زوج يقذف زوجته بسهام حنقه وقد هيأ له عجزه أنها قصرت في أمر ما، أو على آخر يتشاتم مع قرينه لسبب أو لغير سبب. كما تقع العين على امرأة تحاول ان تفعل شيئاً ما لصغيرها الذي بات، أو أصبح، مريضاً، وهي عارفة في قرارة نفسها أن العين البصيرة لا يتوفر لها في هذا القفر إلا أقصر الأيدي.
وبينما كنت أجول بين هذه الجماعات، اجتذبتني حركة من العنزة، شدتني عنوة باتجاه حلقة تضخم عدد أفرادها على نحو غير مألوف. وكان واضحاً من الجلبة أن شجاراً حاداً، هو في واقع الأمر أقرب إلى العراك، قد نشب بين أفراد هذه الحلقة. وحين دنوت من الحلقة مقوداً بفضول العنزة، أنا الذي افتقد حتى الفضول، اتضحت الحكاية، وضحها فتات الشتائم التي كان يتبادلها المتعاركون وكذلك تفاصيل المشهد الماثل. وتبينّ أن ربّ الأسرة التي تشغل هذه البقعة في العراء اصطحب خلال رحلة التشرد بطيخة حرص على توفيرها ليوم صعب فألجأه الجوع إلى إخراجها في هذا الصباح. وكان ظهور البطيخة ذات الغلاف الأخضر البراق الموحي بالشبع والحلاوة والارتواء وسط البائسين الذين باتوا على الجوع بمثابة ظهور جرّة من جرار علي بابا الأربعين وسط جمع من الفقراء. ولم يكن غريباً، إذاً، أن يجتذب ظهور هذا الكنز ناساً من الجماعات المجاورة. وقد تجمع الناس فشكلوا حصاراً كاملاً حول الأسرة المحظية. وأجج الجوع المشاعر العدوانية. وبلغت هذه المشاعر ذروة اهتياجها عندما بدأ الرجل بتوزيع القطع على أفراد أسرته متجاهلاً، بالطبع، النظرات التي تفترس هذه القطع. ولا بدّ من أن يكون الشجار قد بدأ على هذا النحو أو ما يشبهه: تجرأ واحد من المحاصرين فطلب قطعة لنفسه أو لصغيره الذي يصاحبه، فعل ذلك في البداية بأدب ممزوج بالرجاء. وحين تجاهل رجل البطيخة الطلب كما هو متوقع، كرر الطالب رجاءه بنبرة حادة أو لائمة، فتجوهل طلبه ثانية. فاغتاظ الطالب لأنه أدرك أن الحصول على القطعة الشهية لن يتم باللين ولأنه لا يجد مسوغاً لاستخدام العنف. وكان لا بدّ من افتعال المسوغ افتعالاً. وهكذا، صبّ الطالب احتجاجه على تجاهل الرجل لطلبه واصفاً إياه بقلة الأدب، وقرن الاحتجاج بالشتيمة: بخيل. بعد هذه البداية، اختلط الحابل بالنابل، وتقاذف المتنازعان الكلام الجارح، وتشجع المحاصرون الآخرون فيما استعدّ الذين صارت قطع البطيخ في أيديهم للدفاع عن اللقمة العزيزة المهددة، ونشب العراك، وتشابكت الأيدي التي تحاول انتزاع القطع بالأيدي التي تدافع عما بحوزتها. وحين أوصلتني العنزة إلى هذا المعترك، كان نثار الفاكهة الأحمر يلون الأنامل والأذرع والوجوه والملابس بلون الدم الطازج.
في ظروف غير هذه، كان الأمر سيبدو مسلياً، وربما اشتركت في العراك أو شجعت عليه. أما في هذه الظروف، فما أشدّ ما أحسست بالنفور، وما أشدّ ما تعمق إحساسي بالضيق الذي يخنقني! وقد توجب عليّ أن استخدم أقصى قواي لأجر العنزة بعيداً عن المعترك، هي التي اقتحمت الساحة وأخذت تتشمم النثار لعلها تقع على ما يؤكل. ولما لم تفلح كل قواي في إقصاء العنزة عن المكان الواعد، لم أجد مناصاً من الانحناء والتقاط قطعة من قشر البطيخة وإغواء العنزة بها كي تتبعني. ثم ابتعدت موغلاً في البرية وموغلاً في الهموم. ولا أدري كم من الوقت استغرقت جولتي. لقد وقعت العنزة على ما تبتلعه، أما أنا فلم يتسن لي أن أقع على شيء. وعندما ألهبت وقدة الشمس رأسي وضاقت قدماي المتيبستان بلهب الأرض ولوى الجوع أحشائي الفارغة، عدت إلى جماعتي، جاراً العنزة التي فتر نشاطها.
كانت الجدّة قد أعدت شيئاً ما لوجبة الظهيرة دون أن تنتظر عودة الصيادين، وقد بدا أنها قليلة الثقة بنتائج الصيد. ولا بدّ من أن الجدّة أدركت مقدار جوعي، فقد دست في يدي قطعة خبز مشجعة إياي على أكلها قبل أن تقدم الوجبة الموعودة. فجلست عند مدخل المغارة مستبرداً في شريط الظل الضيّق الذي لم تكنسه الشمس بعد، ورحت ألوك اللقمات الجافة. كان الجميع، عدا الصيادين، قد عادوا وتوزعوا بين داخل المغارة ومدخلها، وكانوا هامدي الحركة، تضغط نظراتهم الجائعة وكذلك ألسنتهم على الجدّة كي تعجل في تقديم الطعام، بينما تشبثت الجدّة بموقفها، إذ لا طعام قبل عودة الغائبين. وشاقني المشهد دون أن يستغرقني، فرحت أراقبه بعينين نصف يقظتين، فيما استراحت العنزة بجانبي وراحت تجتر بدورها ما اختزنه بطنها خلال جولتنا الطويلة.
وحين بدا أن قدرة الجميع على الاحتمال استنزفت عن آخرها، وأن صبرهم نفد كلّه وأنهم على وشك التمرد على ثبات الجدّة، وصل عمي محمود وخالي عمر حاملين تعبهما وخيبة أملهما وذلّ نظراتهما، بدل الطرائد المأمولة. ولأن الجميع فهموا أن عودة الصيادين، على خيبتهما، تؤذن بتقديم الوجبة المنتظرة، فقد أطلق وصولهما موجة غريبة من الفرح وسط الحشد. وبدل التقريع، راح الخال محمد يوسف يقدم لهما التهاني على العودة بالسلامة. وقد ظن الصيادان الخائبان أن الخال الذي منع من اصطحابهما يسخر منهما، فلما استأنسا الجدّ في نبرته بدا على وجهيهما ذلك النوع من الذهول الذي يقترن بعدم الفهم. ثم لم يلبث أن نسى الجميع هذا كلّه حين دعوا إلى الطعام.
في صباح اليوم التالي، غادرنا جدّي عبد المجيد مبكراً. أعلن الجدّ أنه سيذهب إلى بيت جبرين مع مجموعة من أقرانه، ليستطلعوا الأخبار، ثم انصرف بغير وداع. وانطلق عمي محمود وخالي عمر في رحلة صيد جديدة، وبصحبتهما الخال محمد يوسف هذه المرة. ولما عاد الصيادون مع الظهيرة، بدا للوهلة الأولى أن الحظ ابتسم لنا حقا. وكان حرّ الظهيرة قد الجأنا إلى مواقعنا بين المغارة ومدخلها حين أقبل الثلاثة ومعهم أرنب يستثير حجمه الاحترام قبل أن يثير الشهيّة. وسرت بين الجميع همهمة البشارة، فانطلقنا نحن الصغار لملاقاة الصيادين المقبلين بحملهم المعتبر و أحطنا بهم نحن وصخبنا الذي فجره ألف سبب. وألقى عمي محمود الطريدة أمام حلقة النساء اللواتي كففن عن الثرثرة ورحن يرقبن المفاجأة. غير أن الصمت المريب الذي تسلح به الخال محمد يوسف استلفت نظر الجدّة اليقظ، فسألته بحدة: "ما الحكاية؟"، فوجه الخال نظرتين متتابعتين، واحدة ناحية العمّ محمود والأخرى ناحية خالي عمر، وبقي صامتاً. وكررت الجدّة السؤال، غير ان الخال احتفظ بصمته وإن بدا أن في نفسه شيئاً يتشوق للإفصاح عنه. هنا، نهضت الجدّة وأمسكت بالأرنب وقلّبته، ثم ألقت به، وكأنما حزرت شيئاً، فتساءلت، مغضبة: "أين الدم؟ دم هذا الأرنب لم يسلْ".
وانطلق لسان الخال المكبوت: "هي التي عرفت".
وبين صيحات الخال ومقطاعات شريكيه في الصيد، اتضحت الحكاية شيئاً فشيئاً. فخلال التجوال الممض في الوعر، لمح صيادونا أرنباً قابعاً بغير حركة في ظل نبتة عرعر، فاستعدوا للظفر بالغنيمة. وأطلق خالي عمر على الأرنب رصاصة من مسدسه وثناها بأخرى وثالثة. فلما لم يتحرك الأرنب بالرغم من صوت الرصاص المدّوي، فقد ظن الثلاثة أنه أصيب في مقتل. وحين أمسك هؤلاء بالأرنب وقلّبوه، انتبهوا إلى أن بدنه نظيف من الدم واكتشفوا أن جلده خال من الثقوب. غير أن رغبة الرجال الذين أتعبهم طول التطواف في ان لا يعودوا خائبين تغلبت، فتجاهلوا المغزى الواضح لخلّو الطريدة من الدم والثقوب، وأقنعوا أنفسهم بأن الرصاص هو الذي أودى بحياة الأرنب. ولكي تعرف طبيعة المشكلة التي نشأت، عليّ أن أذكّرك بأن الشرع يبيح أكل الطريدة شريطة أن يسيل دمها. وقد احتدم الجدل، أججه هذا التباين الواضح بين التشبث بتعليمات الشرع وبين الاستجابة لمتطلبات الجوع. قالت جدتي مدللة: "هذه فطيسة، لا يحل أكلها". وحاجج العم محمود:" هي صيد. خاف الأرنب من دويّ الرصاص، فمات، وهذا صيد". وقد وجدت الجدّة من يؤيدها صراحة، غير أن صمت الأغلبية أظهر الميل الغالب لتأييد العم. واستفاد خالي عمر المؤيد، بالطبع، للعم من هذا الموقف، فبدأ يسلخ فروة الأرنب ويهيئه للطبخ. يومها، أكلنا في حلقتين، الذين احتفظوا بتأييدهم للجدّة حتى النهاية تقاسموا الطبق الذي أعدته وظفروا بعده بحفنات من القطين أو التين المجفف، وزعتها الجدّة عليهم بسخاء لا يتلاءم مع الظرف. والذين اجتذبتهم رائحة اللحم المشويّ تحلقوا حول الأرنب وراحوا يلوكون لحمه وهم يتبادلون نظرات محملة بألف معنى.
والحقيقة أن الخلاف ذاته، وكذلك الانقسام الذي نجم عنه، كانا وقتها غير مفهومين بالنسبة لي. غير أني تبعت الجدّة بحكم اعتيادي على إطاعتها. أما بقية الصغار فقد ظفروا بشيء من هنا وشيء من هناك. وقد اتبع الخال محمد يوسف رأيه الأول فجاء إلى حلقة القطين وبالغ في إظهار تلذذه وهو يأكل. فلما وضع الأرنب المشوي وسط الحلقة الأخرى، وساد ذلك الصمت الذي تضافر على إحكامه تهيب الآكلين من الملامة وتقزز الرافضين، لم يملك الخال السيطرة على شهيته المستثارة، فقفز ناحية تلك الحلقة فجأة، وأخذ لنفسه قطعة من اللحم، ونظر إلى أخته وهو يبتسم وهتف بنبرة أرادها أن تكون مرحة: "إن الله غفور رحيم".
وقبل انطفاء قرص الشمس، عاد جدي عبد المجيد، وصل وهو يحمل تفاؤلاً استعاده في رحلته ومعه أحسن الأخبار: الجيش المصري موجود في بيت جبرين، وقد اتفقنا على أن نتوجه إليها في الصباح. ومع الأخبار التي لم يكن من الممكن الوقوع على أطيب منها في تلك الظروف، جاء الجد بصرة من العنب الطازج الذي حصل عليه من كروم بيت جبرين.                                                         (يتبـــــع ...)

 بلسم، العـدد 25، 2009

 
< السابق   التالي >

 
 

 

 
 

Association of Arab-Austrian Women © 2007